محمد جواد مغنية
57
في ظلال نهج البلاغة
ألا تنظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر . انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرّها . تجمع في حرّها لبردها ، وفي ورودها لصدرها ، مكفولة برزقها مرزوقة بوفقها . لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ولو في الصّفا اليابس والحجر الجامس . ولو فكَّرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرّأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا . فتعالى الَّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه في خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلَّتك الدّلالة إلَّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ ، وما الجليل واللَّطيف والثّقيل والخفيف والقويّ والضّعيف في خلقه إلَّا سواء . اللغة : البصائر مدخولة : طرأ عليها خلل . والبشر : جمع بشرة ، وهي ظاهر